الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
289
مناهل العرفان في علوم القرآن
« أسرت قريش مسلما في غزوة * فمضى بلا وجل إلى السّيّاف سألوه : هل يرضيك أنّك سالم * ولك النبىّ فدى من الإتلاف فأجاب كلّا . لا سلمت من الرّدى * ويصاب أنف محمد برعاف » ولقد كان من مظاهر هذا الحب - كما رأيت تسابقهم إلى كتاب اللّه يأخذونه عنه ويحفظونه منه . ثم إلى سنّته الغرّاء يحيطون بأقوالها وأفعالها وأحوالها وتقريراتها . بل كانوا يتفنّننون في البحث عن هديه وخبره ، والوقوف على صفته وشكله ، كما تجد ذلك واضحا من سؤال الحسن والحسين عن حلية رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وما أجيبا به من تجلية تلك الصور المحمدية الرائعة ، ورسمها بريشة المصوّر الماهر ، والصّناع القادر ، على يد أبيهما علي بن أبي طالب ، وخالهما هند بن أبي هالة ، رضى اللّه عنهم أجمعين « 1 » العامل الخامس بلاغة القرآن الكريم إلى حدّ فاق كل بيان ، وأخرس كل لسان ، وأسكت كل معارض ومكابر ، وهدم كل مجادل ومهاتر ، حتى قام ولا يزال يقوم في فم الدنيا معجزة من اللّه لحبيبه ، وآية من الحق لتأييد رسوله . وبعد كلام اللّه في إعجازه وبلاغته ، كلام محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في إشراقه وديباجته وبراعته ، وجزالة ألفاظه وسموّ معانيه وهدايته . فقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم أفصح الناس وأبلغ الناس ، وكان العرب إلى جانب ذلك مأخوذين بكل فصيح بليغ ، متنافسين في حفظ أجود المنظوم والمنثور . فمن هنا هبّوا هبّة واحدة يحفظون القرآن ، ويفهمون القرآن ، ويعملون بالقرآن ، وينامون ويستيقظون على القرآن . وكذلك
--> ( 1 ) انظر في ذلك ما يرويه محمد أبو عيسى الترمذي متفرقا في كتاب الشمائل من طريق سفيان بن وكيع . رضى اللّه عنهم .